الشيخ محمد هادي معرفة
151
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وقال المولى الفيض الكاشاني : وكأنّه أريد بذلك : نزول معناه على قلب النبيّ صلى الله عليه وآله ، كما قال تعالى : « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ » . « 1 » ثمّ نزل طول عشرين سنة نجوما من باطن قلبه إلى ظاهر لسانه ، كلّما أتاه جبرائيل عليه السلام بالوحي وقرأه عليه بألفاظه . « 2 » فقد أوّل رحمهالله البيت المعمور إلى قلب رسولاللّه صلى الله عليه وآله . وربّما أراد الصدوق رحمهالله أيضا هذا المعنى من قوله : وأعطى نبيّه العلم جملة واحدة . وهكذا وقع اختيار الشيخ أبي عبداللّه الزنجاني في تأويل هذه الرواية ، قال : ويمكن أن نقول بأنّ روح القرآن وهي أغراضه الكلّية التي يرمي إليها ، تجلّت لقلبه الشريف في تلك الليلة « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ » « 3 » ثمّ ظهرت بلسانه الأظهر مفرقّة في طول سنين « وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا » . « 4 » وقد أخذ العلّامة الطباطبائي قدسسره هذا التأويل وزاد عليه تحقيقا ، قال : إنّ الكتاب ذا حقيقة أُخرى وراء ما نفهمه بالفهم العادي ، وهي حقيقة ذات وحدة متماسكة لاتقبل تفصيلًا ولاتجزئة ، لرجوعها إلى معنى واحد لا أجزاء فيه ولافصول . وإنّما هذا التفصيل المشاهد في الكتاب طرأ عليه بعد ذلك الإحكام ، قال تعالى : « كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » . « 5 » وقال تعالى : « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ . لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » . « 6 » وقال : « وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ » . . . « 7 » إذن فالمراد بإنزال القرآن في ليلة القدر : إنزال حقيقة الكتاب المتوحّدة إلى قلب رسولاللّه صلى الله عليه وآله دفعة ، كما أُنزل القرآن المفصّل في فواصل وظروف ، على قلبه صلى الله عليه وآله أيضا تدريجا في مدّة الدعوة النبويّة . . . « 8 » أقول : هذا كلام لطيف ، لكنّه لا يعدو تأويلًا غير مستندٍ إلى دليل ، والمسألة قبل كلّ شيء نقليّة وليست بالعقليّة النظريّة ، ومن ثمّ نتساءل هؤلاء الأعلام : بم أوّلتم البيت المعمور الذي هو في السماء الرابعة - حسب روايات الخاصّة - أو بيت العزّة - حسب
--> ( 1 ) - الشعراء 193 : 26 - 194 . ( 2 ) - الصافي في تفسير القرآن ، ج 1 ، ص 42 . ( 3 ) - الشعراء 193 : 26 - 194 . ( 4 ) - الإسراء 106 : 17 . راجع : تاريخ القرآن ، ص 10 . ( 5 ) - هود 1 : 11 . ( 6 ) - الواقعة 77 : 56 - 79 . ( 7 ) - الأعراف 52 : 7 . ( 8 ) - تفسير الميزان ، ج 2 ، ص 14 - 16 .